اليوم الثلاثاء 21 أكتوبر 2014 - 9:27 مساء
أخر تحديث : السبت 8 فبراير 2014 - 5:04 مساء

قراءة موضوعية في منظومة “مسار” للتدبير المدرسي‎‎

بقلم : جواد فاصل

اَثار برنامج مسار المعلوماتي للتدبير المدرسي جدلا كبيرا في أوساط التلاميذ والتلميذات على امتداد ربوع الوطن، فخرجت مسيرات احتجاجية تلاميذية تندد بإقرار هذه المنظومة الجديدة، التي يعتبرونها حلقة في سلسلة ليس الهدف منها سوى الإجهاز على التحصيل العلمي للتلميذ المغربي في المدرسة العمومية، وإجهاض حقوقه باستهدافه في نظام التقييم والمراقبة المستمرة، واستمرارا كذلك في جعل التعليم ببلادنا مختبرا لتجريب كل جديد مستورَد من الخارج دون اكتراث بمصير فلذات أكبادنا الذين حيرتهم فوضى البرامج وعدم وضوح السياسات بهذا الشأن.

لكن في المقابل، نجد صناع القرار وأغلب أطر الإدارة التربوية قد وقفوا موضعَ المرحب والمُثَمن لهذه المنظومة، مؤكدين أن الهدف منها هو إدماج التكنولوجيا الحديثة في المنظومة التربوية التعليمية وتسهيل عملية التدبير الإداري والمدرسي، وكذا فتح المجال أمام الآباء وأولياء الأمور للإطلاع إلكترونيا على تواقيت امتحانات أبنائهم ونقطهم لمراقبة مسارهم التربوي والتدخل لتقويمه، بما سيجعل التلاميذ يرفعون من مردوديتهم ويُقبلون على دروسهم ومقرراتهم الدراسية. كما سيجعلُ برنامجُ مسار، حسب إفادات مؤيديه، مبدأَ تكافُئِ الفرص واقعا حقيقيا، معتمدا على الشفافية التامة والاستحقاق في وضع النقط، وسيقطع الطريق على بعض الأساتذة من منعدمي الضمير والأخلاق ويمنعهم من التلاعب بالنقط. اذن فهي لعبة كشف المستور وتعرية الواقع، وحبذا لو يُطبق هذا الكشف على قطاعات أخرى ينخرها الفساد.

دعونا نكون موضوعيين، ألم تخطئ الوزارة الوصية على القطاع بهذا التنزيل الصارم لبرنامج مسار بأوامر فوقية جاءت للإخبار والإقرار وليس للنقاش والتجريب؟ ألم يكن عليها طرح هذه المنظومة للنقاش العمومي بين مختلف الفاعلين في القطاع؟ ألم يكن حريا بها تجريبه في مرحلة أولى  للوقوف على مناقبه ومثالبه قبل إقراره نهائيا؟ ألم يكن عليها شرحه وتقديمه للرأي العام وتبيان أهدافه وطريقة عمله قبل تنزيله والعمل به؟

قد يختلف البعض في الإجابة على هذه الأسئلة، لكن عاقلا لا ينكر الوضع الكارثي للتعليم ببلادنا, وفشل سياسات صناع القرار المتعاقبين في حل هذا المشكل, بسبب عدم وجود إرادة حقيقية وتصور واضح المعالم، فما شهدناه ومازلنا نشهده هو التخبط والإرتجال والإستعجال والفوضى في قطاع حساس ومصيري لن تقوم لبلادنا قائمة ولن تقوى لها شوكة بدونه. وهذا ما اعترف به الملك شخصيا في إحدى خطاباته. وبالتالي، فالمشكل أعمق بكثير مما نتصور.

اِن الوزارة بإقرارها برنامجَ مسار المعلوماتي، وكأنها تريد إيهامَنا بأنها قد وفرت كل الشروط البديهية والضرورية للنهوض بالتعليم في كل ربوع هذا الوطن الحبيب، ولم يتبق لها سوى اللحاق بركب الدول المتقدمة في إقرار برنامج معلوماتي كهذا والسعي فيما بعد لما يسمى بالتعلم عن بعد وما إلى ذلك ( آش خاصك آ العريان، خاصني مسار آ مولاي). منظومة مسار أشبه ما تكون بصعقة كهربائية لجسد ميت فارق الحياة منذ مدة، هذا الجسد هو تعليمنا الذي كان يحتضر ولم يجد له منقذا.

في الحقيقة، نحن مازلنا نفتقر لأبسط الشروط البدائية لعملية تعليمية سليمة ( مدارس بعيدة جدا لكيلومترات وغير موجودة في أحيان أخرى,أقسام وحجرات دراسية مهترئة يتساقط المطر من داخلها، نقص حاد في الأطر والكفاءات، مختبرات غير مجهزة بمعدات التجارب, انعدام الأمن والسلامة في محيط المؤسسات التعليمية، رداءة الأجهزة الإلكترونية التي أكل الدهر عليها وشرب، هذا إن توفرت أصلا, ضعف كبير في صبيب الأنترنت إن توفر أصلا هو كذلك …). اذن، الإختلاف هنا في الأولويات، والعاقل يدرك تماما أي الأمور أولى ( ماشي نطيرو من لحمارة مباشرة للطيارة ماغانعرفوش نسوقوها)، هذه هي قمة السكيزوفرينية وتكريس الطبقية والبون الشاسع بين سكان المغرب العميق من الكادحين والمسحوقين من جهة، والأغنياء الأثرياء من جهة أخرى. بل هناك من سكان ذلك المغرب العميق غير النافع، في نظر بعضهم، من لا يعرف بوجود هذا النقاش حول برنامج مسار لعدم توفرهم على تلفاز فما بالُكَ بالإستفادة منه !!

لكن، ومهما يكن، يجب على تلامذتنا الأعزاء عدم الإنجرار إلى تضييع حصصهم كل يوم، فالتحصيل العلمي هو المهمة الأسمى لكل تلميذ دَيْدَنُهُ الجد والإجتهاد للنهل من مختلف العلوم، وكفاه فخرا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع”.

شوهد 54093 مرات 8483

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع ميضاراليوم الإلتزام بفضيلة الحوار وآدابه وقواعد النقاش عند كتابة ردودكم وتعليقاتكم، وتجنب إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.